القرطبي
355
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثانية - قوله تعالى : " والحرمات قصاص " الحرمات جمع حرمة ، كالظلمات جمع ظلمة ، والحجرات جمع حجرة . وإنما جمعت الحرمات لأنه أراد [ حرمة ] الشهر الحرام [ وحرمة ] البلد الحرام ، وحرمة الاحرام . والحرمة : ما منعت من انتهاكه . والقصاص المساواة ، أي اقتصصت لكم منهم إذ صدوكم سنة ست فقضيتم العمرة سنة سبع . ف " الحرمات قصاص " على هذا متصل بما قبله ومتعلق به . وقيل : هو مقطوع منه . وهو ابتداء أمر كان في أول الاسلام : إن من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما اعتدى عليك ، ثم نسخ ذلك بالقتال . وقالت طائفة : ما تناولت الآية من التعدي بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم والجنايات ونحوها لم ينسخ ، وجاز لمن تعدي عليه في مال أو جرح أن يتعدى بمثل ما تعدي به عليه إذا خفى ( 1 ) له ذلك ، وليس بينه وبين الله تعالى في ذلك شئ ، قاله الشافعي وغيره ، وهي رواية في مذهب مالك . وقالت طائفة من أصحاب مالك : ليس ذلك له ، وأمور القصاص وقف على الحكام . والأموال يتناولها قوله صلى الله عليه وسلم : ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ) . خرجه الدارقطني وغيره . فمن ائتمنه من خانه فلا يجوز له أن يخونه ويصل إلى حقه مما ائتمنه عليه ، وهو المشهور من المذهب ، وبه قال أبو حنيفة تمسكا بهذا الحديث ، وقوله تعالى : " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " ( 2 ) [ النساء : 58 ] . وهو قول عطاء الخراساني . قال قدامة بن الهيثم : سألت عطاء بن ميسرة الخراساني فقلت له : لي على رجل حق ، وقد جحدني به وقد أعيا علي البينة ، أفأقتص من ماله ؟ قال : أرأيت لو وقع بجاريتك ، فعلمت ما كنت صانعا . قلت : والصحيح جواز ذلك كيف ما توصل إلى أخذ حقه ما لم يعد سارقا ، وهو مذهب الشافعي وحكاه الداودي عن مالك ، وقال به ابن المنذر ، واختاره ابن العربي ، وأن ذلك ليس خيانة وإنما هو وصول إلى حق . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) وأخذ الحق من الظالم نصر له . وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان لما قالت له : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه ، فهل علي جناح ؟ فقال رسول الله صلى الله
--> ( 1 ) قوله : " إذ خفى " أي ظهر . وهذا اللفظ من الأضداد ، يقال : خفيف الشئ : كتمته . وخفيته : أظهرته . راجع ج 11 ص 182 . ( 2 ) راجع ج 5 ص 255 .